ملا محمد مهدي النراقي
296
جامع السعادات
ذلك ، قال : لا بأس ، ما من أحد إلا وهو يحب أن يظهر الله له في الناس الخير إذا لم يكن صنع ذلك لذلك " . وهذان الخبران بإطلاقهما يدلان على نفي البأس بالسرور لأجل المقاصد المذكورة ، ويخصص منهما ما هو المذموم من الفرح الحاصل من اطلاع الناس ، وإن كان قصده الإخفاء أولا ، وهو أن يكون فرحه لقيام منزلته في قلوب الناس حتى يمدحوه ويعظموه ويقوموا بحوائجه ، وإنما يخصص ذلك منهما مع شمول إطلاقهما له أيضا لمعارض أقوى . هذا وقد تقدم أن قصده أولا - أي في حال عقد الطاعة - اطلاع الناس عليه وارتياحه به لأحد المقاصد المذكورة لا بأس به أيضا ، فعدم البأس لا يختص بطرو القصد والارتياح بعد العقد أو بعد تمام العمل . ثم كما لا بأس بالسرور من ظهور الطاعات للمقاصد المذكورة ، فكذلك لا بأس بكتمان المعاصي واغتمامه باطلاع الناس عليها لأسباب نذكرها ، بل الحق رجحان الكتمان ومزيته بعد ارتكابها ، وإن كان الأصل في الإخلاص استواء السريرة والعلانية . ولذا قال بعض الأكابر : " عليك بعمل العلانية وهو ما إذا ظهر لم تستح منه " . وقال بعضهم : " ما عملت عملا أبالي أن يطلع الناس عليه إلا إتياني أهلي والبول والغائط " . إلا أن ذلك درجة عظيمة ليست شرعة لكل وارد ، ولا يصل إليها إلا واحد بعد واحد . إذ كل إنسان - إلا من عصمه الله - لا يخلو من ذنوب باطنة ، ( لا ) سيما ما يختلج بباله من الأماني الباطلة والأمور الشهوية ، والله مطلع عليها وهي مخفية عن الناس ، والسعي في إخفائها وكراهة ظهورها جائز بل راجح ، بشرط ألا يكون باعث إخفائها قصد أن يعتقدوا فيه الورع والصلاح ، بل كان الباعث : 1 - إما كون السر مأمورا به . 2 - أو كون الهتك وإظهار المعاصي منهيا عنه . قال رسول الله ( ص ) : " من أرتكب شيئا من هذه القاذورات فليستره بستر الله تعالى " . ويعرف صدق ذلك بكراهة ظهورها عن الغير ، أو كون ستر الله عليه في الدنيا دليلا على ستره في الآخرة ، لما ورد في الخير : " أن من ستر الله عليه في الدنيا ستر الله عليه في الآخرة " .